ابن الجوزي

169

صيد الخاطر

ما هذا ؟ لترين غبها ولو بعد حين . فنسيت القرآن بعد أربعين سنة . واعلم أنه من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب ، فان العقوبة تتأخر ، ومن أعظم العقوبة ألّا يحسّ الانسان بها ، وأن تكون في سلب الدين ، وطمس القلوب ، وسوء الاختيار للنفس ، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض . قال بعض المعتبرين : أطلقت نظري فيما لا يحل لي : ثم كنت أنتظر العقوبة فألجئت إلى سفر طويل لا نية لي فيه ، فلقيت المشاق ، ثم أعقب ذلك موت أعز الخلق عندي ، وذهاب أشياء كان لها وقع عظيم عندي ، ثم تلافيت أمري بالتوبة فصلح حالي ، ثم عاد الهوى فحملني على إطلاق بصري مرة أخرى ، فطمس قلبي وعدمت رقته ، واستلب مني ما هو أكثر من فقد الأول ، ووقع لي تعويض عن المفقود ما كان فقده أصلح ، فلما تأملت ما عوضت وما سلب مني ، صحت من ألم تلك السياط ، فها أنا أنادي من على « 1 » الساحل : إخواني احذروا لجة هذا البحر ، ولا تغتروا بسكونه ، وعليكم بالساحل ، ولازموا حصن التقوى فالعقوبة مرة ، واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات من فقد الأغراض والمشتهيات ، غير أنها في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة ، والتخليط ربما جلب موت الفجأة . وباللّه لو نمتم على المزابل مع الكلاب في طلب رضى المبتلي كان قليلا في نيل رضاه ، ولو بلغتم نهاية الأماني من أغراض الدنيا مع إعراضه عنكم كانت سلامتكم هلاكا ، وعافيتكم مرضا ، وصحتكم سقما ، والأمر بآخره ، والعاقل من تلمح العواقب ، وصابروا رحمكم اللّه تعالى هجير البلاء فما أسرع زواله . واللّه الموفق إذ لا حول إلا به ، ولا قوة إلا بفضله . 123 - الرد على أهل البدع والصوفية والمتكلمين والمشبهة قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم فارتقوا منابر التذكير للعوام ، فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون ليس للّه في الأرض كلام ، وهل المصحف إلا ورق

--> ( 1 ) الفصيح : فها أنا ذا أنادي من الساحل .